محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
153
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
وقالت القدرية : الختم على القلوب والطبع والغشاوة والإقفال إنّما يحمل على العقوبة على ما كفروا من النعم والمجازاة عليها ، كما قال تعالى : فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ، واستدلّوا بقول مجاهد أنّه قال : هو أن تحفّ الذنوب بالقلب ؛ فإذا التفّت عليه فذلك الختم ؛ وفي الحديث المرويّ عن النبيّ - صلّى اللّه عليه وسلّم - : « إنّ المؤمن إذا أذنب ذنبا كانت نكتة سوداء في قلبه ؛ فإن تاب واستغفر صقل قلبه وإن زاد زادت حتّى تغلق القلب وهو الرين » 439 ، قال مجاهد : الرين أشدّ من الطبع ، والطبع أيسر من الإقفال . قالت القدرية : إنّ الذين كفروا لمّا أضربوا عن النظر في آيات اللّه ولم ينتهوا لما نبّههم اللّه ، قطع اللّه عنهم موادّ التوفيق وحرّمهم الألطاف كما [ قال ] : فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً ؛ فحال بينهم وبين الإيمان والإخلاص ، وقال بعضهم : لمّا حرّمهم الألطاف صاروا كمن ختم على قلبه وجعل على بصره غشاوة . فأضيف هذا إلى اللّه تعالى على هذا المعنى ، وهذا كإضافة الإضلال إلى الأصنام ؛ إذ كانت سببا في ضلالهم ؛ ومن هذا القبيل قوله : فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ ما زادَهُمْ إِلَّا نُفُوراً اسْتِكْباراً فِي الْأَرْضِ وإلى هذا المعنى مثّل القفّال ؛ وقال بعضهم : إنّ المعنى بالختم والطبع شهادة اللّه لهم بالكفر ؛ وقال بعضهم : إنّ ذلك سمة وعلامة على قلوبهم ، ليتميّز عند الملائكة من قلوبهم وقلوب المؤمنين ؛ وقال : وَأَمَّا الَّذِينَ [ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ] فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ . وقال : كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ . وقال : فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ [ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ ] بِما أَخْلَفُوا اللَّهَ ما وَعَدُوهُ يعنى أنّهم تصامّوا وتعاموا عن الحقّ حتّى كأنّه ختم على قلوبهم . هذا كلام الجبرية والقدرية ( 63 آ ) في معنى الختم والطبع والغشاوة وأمثالها في القرآن ؛ وسنعود إلى توجيه القولين أو إبطال المقالتين إن شاء اللّه . وأمّا قوله تعالى : وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ . قال أهل التفسير « 1 » : أي وختم على سمعهم ؛ فلا يسمعون الحقّ ولا يعقلونه ولا ينتفعون به ؛ والمعنى على سمع قلوبهم ، كما قال في موضع آخر : أَ فَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ ؛ وإنّما جمع بين السمع والبصر في الذكر للتأكيد في تغطية البصيرة ؛ وقال ابن عبّاس : ختم على سمعهم ؛
--> ( 1 ) . في الهامش عنوان : التفسير .